وقفة في محطّات ثقافة الخراب العراقي (2 ـ 3 )

23 مشاهدة
أخر تحديث : السبت 28 مارس 2015 - 5:52 مساءً
وقفة في محطّات ثقافة الخراب العراقي  (2 ـ 3 )

كاظم الواسطي*

مقدمة

حينما ينحسر الأمل في عقول الناس ، وتنكفئ أرواحهم تحت ضغط موجاتٍ عارمة من الأزمات والإختّلالات المتراكمة لعقودٍ طويلة ،من دون أفقٍ واضح لإمكان حلولٍ معقولة أو تسَويات ممكنة تضمن أمن المواطن ، وتجعل الوطن مكاناً صالحاً للعيش ، تصبح لصور النكوص والإرتداد جذورٌ يصعب التحكّم بإستطالاتها في وعي الأفراد ، وتضع التعايش بين مكونّات المجتمع على حافة الإرتياب وسوء الظن ، والتي دائماً ما تدفع بإتجاه الإحتقان الإجتماعي والثقافي ، وتُدخل المجتمع في مواقد النزاعات الأهلية ، والتعصّب الأعمى الذي ينمو ويتضخّم في تلك الصدوع . 

إن ماحدث في العراق من دورات خرابٍ لم تتوقف ، تستدعي أكثر من وقفةٍ للمثقف العراقي الحقيقي على خطوط خارطته الملتّهبة ، خصوصاً بعد أن تبيّن دور ساسته وأتباعهم من أشباه مثقفين منتفعين ، في تعميّق هذا الخراب بين طاغيةٍ مستبّدٍ وفاسدين تجاوزوا ، في شراهتهم ، مثال الجراد . إن مهمة المثقف العراقي ، بعد ما حدث ويحدث اليوم ، هي أن يرسم لنفسه مساحة حرّة تمكنّه من تفكيك تلك البنى المتصدّعة ، وكشف الجذور الحقيقية لهذا الخراب في ضوء قيم الحق والجمال ، ومراجعة ما تراكم من خلال النتائج الكارثية التي ما زالت تعصف بحياتنا ، وتضع مجتمعنا وثقافتنا في مفترقات طرقٍ يصعب التكهّن بما ستؤول إليه في مقبل الأيام . ولتكن لنا أكثر من قراءة حرّة في تفكيك تجربتنا العراقية بشتى جوانبها ، وان نؤشر بأصبعٍ مضيء إلى الجوانب المعتمة فيها ، كي نحرّر عقولنا ونفوسنا من تأثيراتها السلبية في أعماقنا . 

أن قسوة السلطة يومذاك كانت على أشدّها في القمع والترويّع ، وانفردت بالمجتمع كقوة سياسة مهيمنة لا منافس لها ، بل ولا حتى ظل منافس يُمكن للبعض الاحتماء به واعتباره ملاذاً وإن كان مصنوعاً من الوهم ، فقد ترسّخت أساليب المخادعة ، والكذب ،والحيلة في سلوك الأفراد ، كوسائل دفاعية تقيهم مخاطر تابعي السلطة في الشارع والعمل ، وحتى داخل العائلة الواحدة التي كانت تخشى الوشاية من طفلٍ ، او من أحد أفرادها السُذّج . بل وصل الأمرُ الى أن كثيراً من حالات الوشاية العائلية حدثت بسبب إخبارٍ من ابنٍ مغسول الدماغ بأوهام السلطة وأشباحهها – خوفاً او ولاءً أعمى – ويُريد أن يُلقمها مصدر خطرٍ عليها لكي يحصل على رضىً منها يُجنبه أن يكون هو المأكول على مائدتها العامرة بأنياب الأفتراس . لقد أنتجت مؤسسة الخوف الدكتاتورية في العراق تشوّهات عميقة في بنية المجتمع ، وفي سلوك الأفراد الذين كانوا يُساقون قطعاناً منزوعة الإرادة الى جبهات الموت دون ان يكون لهم حق الالتفات الى الخلف ، حيث بنادق فصائل الإعدام تحقّق ، بشكلٍّ مضمون ، ما تعجز عن تحقيقه مدافع « العدو « في مساحةٍ مفتوحة على احتمالاتِ ، وصدفِ النجاة .

وحيث الفرص معدومة لأيّ نشاطٍ ثقافي داخل البلاد يؤسس لثقافة مختلفة عن توجهات النظام ، أو جماعة فاعلة ، في العمل السرّي ، لها برنامج فكري جديد يكشف طبيعة الخراب الذي تؤسس له السلطة ، وتجذيّر مفاهيم حقيقية في تعريف الوطن الذي تم اغتصابه ، وتنشيط إرادة المواطن في الدفاع عن حقه في الحياة والأمل ، فضلا عن فشل القوى السياسة التقليدية وهزائمها المتكررة التي أسسّت عميقاً لليأس الشعبي ، وتشظيّ الأفراد في متاهات العدم والانكفاء في نفوسٍ معذبّة . وفي بلدان اللجوء تناثرت خطى المثقفين العراقيين ،المحسوبين على اليسار تنظيماً أو صداقة، تحت أعباء البحث عن ملاذاتٍ آمنة ، وبدائل جديدة لوطنٍ تركوه معلّقا بين مخالب السلطة ، وجمهورٍ لا يدري ماذا يفعل في غياب مَن روضّوه على العمل الموجّه من الأعلى ، وتركوه بين الأنياب مشلول القدرةِ في غياب الموقف والتوجيه . ولنكن صريحين في القول ، أن كثيراً من أولئك المثقفين لم يكن هنالك خطرٌ مباشر عليهم ، ولم يكونوا مطلوبين من السلطة، ولكنّ هياجاً عاماً ساهمت مؤسسات القمع في ترويجه شجّع على أن تكون الهجرة بهذه الاندفاعات البشرية الكبيرة ، وكان بمقدور تلك المؤسسات العمل على منع من تُريد من الهجرة ، ولكنّ حسابها كان صائباً، لجهة مصالحها ، في تفريغ البلد من مثقفيه ، وقواه التي من الممكن أن تكون فاعلة في وقت أزمات النظام ، خاصة وأنه كان يعدُّ جيداً لحربٍ طويلة تحتاج الى قطيعٍ تدجنّه ، وتسوقه أركانُ حربها الى ساحات الموت . وتوّجت الدكتاتورية مشروعها التخريبي بحرب الثماني سنوات ، وكانت الأعنف بعد الحربين العالميتيّن ، في تواصلها اليوميّ بسفك الدماء ، وهدر الثروات ، وتحطيم الآمال . وتم التأسيسُ ، بنكرات الثقافة ، لما سميَّ بـ « أدب المعركة « أو « أدب قادسية صدام « الذي مثّلَ لجانب تشوّيه الحقائق ، وتجميّل صوّر الموت ببلاغة الشعر ، وأوهام السرد ، لوثةً وبائيّة في تاريخ الثقافة العراقية ، وبدايةً مخزيّة لانحطاط المثقف ، وهو يُدافع ، متطوعاً ، عن سلالة القوة والهيمنة ، دون مبالاةٍ لأكداس الجثث التي كانت تكبر كل يومٍ في حقل افتراسها . وفيما اعتقده أفضل حالات التموّيه ، كان المثقف التابع للسلطة يكتب نصّاً يدعيّ الحداثة بأشكالٍ في التنظير مشوّهة التركيّب في الغرض والمعنى ، أو يرقّعُ قصيدةً يتوّهم الغموضَ المزيّف فيها إبداعاً يحتال به على ذاته الأكثر ترقيّعاً في التكوّين ، وعلى الأخر الذي يعرف وساخة الحيّز الذي يشغله بسلوك الرياء والإرتزاق .أما الذين تزاحموا على مغادرة البلاد ّهروباً من السلطة التي كشرّت عن أنيابها الدمويّة ، وبدأت بنهش الحلقات البشرية الأكثر ضعفاً في دائرة التنظيمات المستهدفة لتوصيل رسالة الرعب الى قمة الهرم والجمهور ، ومعاينة ردود الفعل بأساليب الضباع التي تنفرد بالفرائس الواهنة ، وتترك الأكثر قوة في سباق الركض المحمّوم ،للإنقضاض على ضحايا مُنتَخبة من القطيع . وتبقى المشكلة في أن الخوف الذي لا تتم مواجهته ، أو مراوغته بأساليب جديدة صادمة لبنية تشكّله ، وعناصر تغذيته المتخفيّة في العقول الشريرة ، يستمر في التجذّر داخل النفوس الخائفة ، ويورق أشكالاً متنوعة من الكوابيس ، وهلوسات الذهن . وظلت أشباح الخوف تطارد المهاجرين ، اضطراراً أو حشرا معهم، في منافيهم القصيّة ، وانعكست صورّها الطاردة للأمان على طبيعة الكثير من علاقاتهم مع بعضهم في ذات بلد اللجوء ، أو المدينة الواحدة . وكانت هناك عزلاتٌ قاسيّة فرضها تشوّش الذهن بتلك الأشباح ، وصعوبة الاندماج في بيئات جديدة تحتاج الى عقولٍ مستقرّة على مساحة من الأمل ، والتطلّع الى بناء حياة جديدة ، وثقافةٍ تُحرّر النفوس من الخوف، وأشكال الوشاية المحتملة بقصدٍ من السلطة ، او الصدفة السيئة في علاقة ما. واستطاعت المؤسسات الأمنية أن تخرق بعض تجمعات العراقيين ، وخاصة في فترة تجمعهم المكثّف في بيروت ، بعناصر من ذات الاتجاه السياسي تم شراء ذممهم ، وتوظيفهم كمخبرين. وقامت تلك المؤسسات بتوجيه تهديدات بل وباغتيال البعض ، لتُبقي جو الرعب الذي في البلاد شبحاً يُطاردهم ، ويقضُّ مضاجعم هناك . وكان لهذا الاختلال ذي الخلفيّة السياسية القاتمة انعكاساته السلبية على تكوين المشهد الثقافي العراقي في دول اللجوء ، والذي بقيّ قاصراً أو مغيّباً كتكوينٍ له ملامحه الواضحة ، وأطره المؤسساتية المُنظِمّة للنشاطات الثقافية ، فكراً وأدباً وفنّاً ، كما هو حال الكثير من ثقافات الشعوب الأخرى في المَهاجر التي أسّست كيانات فكرية وأدبية أثرّت بشكلٍ ملحوظ في إعادت ترتيب ثقافاتها الوطنية التي عانت من التدهور في ظل نظم الاستبداد ، فضلاً عن تأثير نتاجاتها الابداعية في فضاء الثقافة العالمية . إن اختلاف مواقف ورؤى المثقفين العراقيين من واقع الأزمة السياسية ، وهيمنة تصدعات السياسة على فكر وتفكير كثير منهم ، ووجود نوع من الارتياب والشك، وعدم الثقة ، المبنيّة على هواجس استطاعت السلطة تعميّقها من خلال بعض الممارسات التي أرادت من خلالها تصدير ترهيبها خارج الحدود ، كانت عوامل مؤثرة في تشظيّ المثقفين ، واختلاط المثقف بالسياسي بطريقة لا تخلو ، في حالات عديدة ، من استمرار تبعيته ومحاباته لسياسيّ مخذولٍ في مهمته الأساسية ، يُريد منه حلاً لمتاهةٍ صنع ذلك السياسي شراكها ، واتساع دروب الضياع فيها ، حيث الأفقُ ، هناك ، صُنع من الوهم ، ومن صقيع أفكارٍ ذبلت في حقل الخديعة ، والاستسلام لظل مخالبٍ طويلٍ ومتسع. وتطّلب الخروج من الواقع المعقّد والملتبس في مكان الهجرة الأول ، وتحديداً في بيروت ، وقتاً ليس بالقليل لترتيب الخطوات الفردية خارج الحشد الموزّع تحت وصايا قوىً جديدة ، تشتّتت هي الآخرى بهمجيّة الاجتياح الاسرائيلي ، ومصالح الزعامات « الثورية « التي تغدر ، دائماً ، بالثورات . وفي بلدان شرقي أوربا « الاشتراكية «، ترسّخ نوع جديد من المفارقات التي ضاعفت التشويش في عقول طرائد النظام ، ممن كانوا يعتقدون بأن تلك البلدان تنهج ذات المبادئ والأفكار التي تتم مطاردتهم وتصفيتهم بسببها ، حين اكتشفوا بأنها كانت تنظر بعيونٍ ثلجية باردة لما يحدث في بلدهم من ويلاتٍ ، وترويعٍ للشعب قلّ نظيره في هذا العالم . ومن ذلك الجوّ المشبّع بانشطار الأذهان ، وتداعي أركان حلمٍ قديم في فخاخ الأقربين ، توزّعت حقائب الغياب الطويل بين بلدان العالم ، ومدنه البعيدة ، وخارج مصائد جماعة الوطن المرتبكة التكوّين ، لمن ترسّخت في روحه القطيعة بقوّةِ جذرٍ ثقافيّ قديم ، وضمن علاقة واهية ( بين بين ) ، لمن حشرَ نفسه في جوّ الثقافة بغطاء موقفٍ مباشرٍ يصلح للجميع ، فأبقى لنفسه فسحةً من ولاءٍ قد تجنبه الضياع على رصيفٍ الغربة . فكان هناك مَن شحذ أدواته الثقافية بنصل جذره الراسخ في أحلامه الأولى ، فكتب القصيدة ، والقصة ، والرواية ، ورسم اللوحة التي كادت تفقد ألوانها في رماد نفسٍ مضطربة . وعاش المحشورُ في الثقافةِ بلا جذرٍ ، يوقد له آمالاً جديدة ، في لجّةِ حياةٍ مختلفة لم تُتْح له فرصاً مناسبة في تجاوز متطلبّات التكيّف ، فأبقتْ له المراوحةَ في دوامّة حيّز العيش بشروطه الصعبة ، وشبه إستحالة الحصول على عملٍ لائق يترك له وقتاً إضافياً للاستراحة ، وتحسين القدرات الشخصية في التثقيف أو التعليم ،عدا حالاتٍ نادرة اتاحتها مهنةٌ ما لمن كان مثابراً ، ومحظوظاً في اصطياد الفرص . طبعاً ، باسثناء الاعتماد على معونات دول اللجوء التي لها تأثيرات سيكولوجية عميقة على شخصية اللاجئ ، إذ تضعه في خانق الإحراج الاجتماعي كونه منافساً سلبياً يعتاش على جهود دافعي الضرائب من أبناء تلك الدول ، ويجعله يشعر بأنه دون المستوى الايجابي للمواطنه ، وأقل من ذلك بكثير . ومثل هذا الشعور يعطّل قدرات التفاعل مع البيئات الجديدة ، ويخلق احساساً مرضيّاً بنقائص الذات التي لا تُشارك في مجالٍ يوفرُّ أسباب العيش لها وللآخرين ، كما هو حال الطفيليّات التي تنمو في هوامش الطبيعة أو المجتمع .

*كاتب عراقي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة موقع دجلة واسط الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.